ابن كثير

150

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

فهاجر النجاشي فمات بالطريق « 1 » . وهذا من أفراد السدي ، فإن النجاشي مات وهو ملك الحبشة ، وصلّى عليه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يوم مات ، وأخبر به أصحابه ، وأخبر أنه مات بأرض الحبشة . ثم اختلف في عدة هذا الوفد ، فقيل : اثنا عشر : سبعة قساوسة وخمسة رهابين . وقيل : بالعكس . وقيل : خمسون . وقيل : بضع وستون . وقيل : سبعون رجلا ، فاللّه أعلم وقال عطاء بن أبي رباح : هم قوم من أهل الحبشة أسلموا حين قدم عليهم مهاجرة الحبشة من المسلمين وقال قتادة : هم قوم كانوا على دين عيسى ابن مريم ، فلما رأوا المسلمين ، وسمعوا القرآن أسلموا ولم يتلعثموا ، واختار ابن جرير أن هذه الآيات نزلت في صفة أقوام بهذه المثابة ، سواء كانوا من الحبشة أو غيرها « 2 » . فقوله تعالى : لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ما ذاك إلا لأن كفر اليهود كفر عناد وجحود ومباهتة للحق وغمط للناس وتنقص بحملة العلم ، ولهذا قتلوا كثيرا من الأنبياء حتى هموا بقتل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم غير مرة ، وسموه وسحروه ، وألبوا عليه أشباههم من المشركين عليهم لعائن اللّه المتتابعة إلى يوم القيامة . قال الحافظ أبو بكر بن مردويه عند تفسير هذه الآية : حدثنا أحمد بن محمد بن السري ، حدثنا محمد بن علي بن حبيب الرقي ، حدثنا علي بن سعيد العلاف ، حدثنا أبو النضر عن الأشجعي ، عن سفيان ، عن يحيى بن عبد اللّه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما خلا يهودي بمسلم قط إلا همّ بقتله » ، ثم رواه عن محمد بن أحمد بن إسحاق العسكري ، حدثنا أحمد بن سهل بن أيوب الأهوازي ، حدثنا فرج بن عبيد ، حدثنا عباد بن العوام عن يحيى بن عبد اللّه ، عن أبيه ، عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم « ما خلا يهودي بمسلم إلا حدث نفسه بقتله » ، وهذا حديث غريب جدا . وقوله تعالى : وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أي الذين زعموا أنهم نصارى من أتباع المسيح وعلى منهاج إنجيله فيهم مودة للإسلام وأهله في الجملة ، وما ذاك إلا لما في قلوبهم إذ كانوا على دين المسيح من الرقة والرأفة ، كما قال تعالى وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً وفي كتابهم : من ضربك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر . وليس القتال مشروعا في ملتهم ، ولهذا قال تعالى : ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ أي يوجد فيهم القسيسون وهم خطباؤهم وعلماؤهم ، واحدهم قسيس وقس أيضا ، وقد يجمع على قسوس ، والرهبان جمع راهب ، وهو العابد ، مشتق من الرهبة ، وهي الخوف ، كراكب وركبان ، وفرسان .

--> ( 1 ) الأثر في الطبري 5 / 4 والدر المنثور 2 / 538 . ( 2 ) تفسير الطبري 5 / 6 .